«مسامير» العجيلي العبيدي .. حين يتحوّل الكاريكاتير إلى ذاكرة نقدية وجراحة بصرية للواقع الليبي

SYRIACARTOON-2026

241


«مسامير» العجيلي العبيدي .. حين يتحوّل الكاريكاتير إلى ذاكرة نقدية وجراحة بصرية للواقع الليبي

ليس من السهل اختزال تجربة العجيلي العبيدي في معرض أو كتاب، فالرجل الذي رافق التحولات الليبية والعربية بريشته منذ عقود، لا يرسم كاريكاتيرًا بقدر ما يكتب يوميات وطن بلغة الخط المختزل والسخرية الذكية. ومع افتتاح معرضه الجديد «مسامير» في دار الفنون بطريق السكة، مساء السبت، بدا واضحًا أن الحدث يتجاوز فكرة العرض التشكيلي، ليغدو لحظة ثقافية جامعة، أعادت للكاريكاتير مكانته كفن نقدي، وكمساحة تفكير لا تقل عمقًا عن المقال أو النص الفلسفي.

افتتاح لا يشبه المناسبات العابرة
منذ الساعات الأولى للافتتاح، اكتظت قاعة دار الفنون بحضور متنوّع جمع عشّاق الفن، والإعلاميين، والصحفيين، والأكاديميين، إلى جانب أصدقاء الفنان ورفاق دربه. حضور لم يكن بروتوكوليًا، بل عفويًا يعكس علاقة خاصة بين العبيدي وجمهوره؛ علاقة تأسست على الثقة، وعلى شعور مشترك بأن هذا الفنان «يقول ما نفكر فيه»، دون خطابة، ودون ادعاء.

القاعة لم تكن مجرد مساحة عرض، بل تحوّلت إلى فضاء حوار مفتوح، حيث توقّف الزوّار طويلًا أمام الأعمال، يتبادلون التعليقات، ويعيدون قراءة الواقع من زوايا مختلفة، في مشهد نادر يعكس قدرة الكاريكاتير على خلق نقاش ثقافي حي خارج الأطر التقليدية.



الكاريكاتير بوصفه معرفة

يقدّم معرض «مسامير» نحو ستين لوحة كاريكاتيرية، أنجزها العبيدي بين عامي 2024 و2025، جاءت كثيفة المعنى، مقتصدة في الخط، لكنها مشحونة بدلالات سياسية واجتماعية وإنسانية. في أعماله، لا يلجأ العبيدي إلى المباشرة أو الشرح، بل يراهن على ذكاء المتلقي، ويترك له مساحة التأويل، في معادلة دقيقة بين البساطة البصرية وعمق الفكرة.

هنا، تتحوّل السخرية إلى أداة تفكير، لا إلى نكتة عابرة. سخرية سوداء، أحيانًا مرّة، لكنها ضرورية، تضع المتلقي أمام نفسه، وأمام واقع اعتاد التعايش مع مفارقاته. كل لوحة تشبه مسمارًا صغيرًا يُدق في جدار الصمت، لا ليهدمه دفعة واحدة، بل ليُضعفه تدريجيًا، ويفتح فيه شقوقًا للرؤية.

«مسامير»… عنوان يختصر الفلسفة
اختيار عنوان «مسامير» لم يكن اعتباطيًا. فالمسمار، في دلالته الرمزية، أداة تثبيت، لكنه أيضًا أداة إيلام. وهذا بالضبط ما يفعله العبيدي في أعماله: يثبّت الذاكرة، ويدقّ الأسئلة في وعي المتلقي. مسامير تُثبت اللحظة التاريخية، وتحولها من حدث عابر إلى صورة لا تُنسى.

العنوان يحيل كذلك إلى تجربة الفنان السابقة، وإلى مشروعه المستمر في مساءلة الواقع، بعيدًا عن الزخرفة أو الاستعراض التقني، لصالح الفكرة بوصفها جوهر العمل الفني.

الكتاب: حين يصبح الكاريكاتير وثيقة زمن
يتزامن المعرض مع صدور كتاب «مسامير»، الذي يضم أكثر من 300 لوحة كاريكاتيرية، ليشكّل توثيقًا بصريًا مكثفًا لعامين من العمل المتواصل. الكتاب لا يُقدَّم بوصفه أرشيفًا فنيًا فقط، بل بوصفه سجلًا بصريًا لتحولات الواقع الليبي، كما رآها فنان عاش التفاصيل اليومية، وقرأها بوعي نقدي وإنساني.

جاء الكتاب بإخراج فني للأستاذ مصطفى الأطيوش، ومقدمة كتبها الأديب منصور أبوشناف، بينما تولّى الفنان محمد الخروبي تصميم خطوط الغلاف، وأنجز الفنان رياض زبيدة البورتريه الشخصي، واختار الشاعر عبد الحكيم كشاد عنوان الكتاب، في عمل جماعي يعكس تكامل الخبرات، ويؤكد أن المشروع يتجاوز الفرد إلى فعل ثقافي مشترك.

وخلال حفل التوقيع، تحوّل الكتاب إلى مساحة لقاء مباشر بين الفنان وجمهوره، حيث بدا واضحًا أن الكاريكاتير ما زال قادرًا على الحياة خارج صفحات الصحف، وأنه حين يُقدَّم بإخراج محترم، يحافظ على سحره وقيمته.


آسيل… حين تكون الرعاية فعلًا ثقافيًا

لا يمكن الحديث عن نجاح «مسامير» دون التوقف عند الدور البارز الذي لعبته شركة آسيل للطباعة والإعلان، التي تولّت رعاية وتنظيم المعرض، وطباعة الكتاب والمواد الإعلامية المصاحبة. حضور آسيل لم يكن تقنيًا فقط، بل حمل وعيًا بدور الثقافة في الفضاء العام، وقدّمت نموذجًا مهنيًا في الشراكة بين القطاع الخاص والمشهد الفني.

جودة الطباعة، التنظيم الدقيق، والاهتمام بالتفاصيل، كانت محل إشادة من الحضور، وأكدت أن دعم الفنون لا يكتمل إلا حين يُدار بعقلية احترافية تحترم الفنان والجمهور معًا.

العجيلي العبيدي… مسيرة تتجاوز الرسم
يُعدّ العجيلي العبيدي، المولود عام 1970، أحد أبرز رسامي الكاريكاتير في ليبيا، واسمًا حاضرًا في الصحافة الليبية والعربية منذ الثمانينات. استطاع خلال مسيرته أن يحوّل الكاريكاتير من تعليق ساخر إلى خطاب بصري، يشتبك مع الواقع دون أن يقع في فخ الشعارات.

أعماله لا تُراهن على الصدمة بقدر ما تُراهن على التراكم، وعلى بناء وعي بصري نقدي لدى المتلقي، وهو ما جعل تجربته متماسكة، وقادرة على الاستمرار في زمن الاستهلاك السريع.


خاتمة: الفن بوصفه ضرورة

معرض «مسامير» ليس احتفالًا بفنان بقدر ما هو احتفال بفكرة الفن نفسه، بوصفه فعل وعي، وموقفًا أخلاقيًا، وأداة مساءلة. في زمن يضيق فيه الهامش النقدي، يأتي هذا المعرض ليؤكد أن الكاريكاتير لا يزال قادرًا على أن يكون شاهدًا، وفاعلًا، وذاكرة.

المصدر

 


«مسامير» تدقّ في جدار الواقع… كاريكاتير العجيلي العبيدي في دار الفنون

استضافت دار الفنون بطرابلس معرض الكاريكاتير «مسامير» للفنان العجيلي العبيدي، في Art House Gallery ، الذي ضم  60 عملًا كاريكاتيريًا عكست تجربة الفنان ورؤيته الساخرة والناقدة للواقع الاجتماعي والسياسي والإنساني، في أسلوب يجمع بين البساطة البصرية وعمق الفكرة.



مسامير… كاريكاتير يضحك ويفكّر

ويتزامن المعرض مع توقيع كتاب «مسامير»، الذي يُعدّ توثيقًا بصريًا لتجربة الفنان خلال عامين من العمل المتواصل، حيث يحتوي الكتاب على أكثر من 300 لوحة كاريكاتيرية رُسمت ما بين عام 2024 وحتى نهاية عام 2025. وقد جاء الكتاب بإخراج الأستاذ مصطفى الأطيوش، وتقدّمه مقدمة كتبها الأستاذ منصور أبوشناف، فيما تولّى الأستاذ محمد الخروبي تصميم خطوط الغلاف، وأنجز الأستاذ رياض زبيدة البورتريه الشخصي للفنان، بينما وضع الشاعر عبد الحكيم كشاد عنوان الكتاب. وتولت آسيل للطباعة والإعلان طباعة الكتاب.

ويُعدّ الفنان العجيلي العبيدي من الأسماء البارزة في مشهد الكاريكاتير الليبي المعاصر، حيث استطاع أن يكرّس أعماله لرصد التحولات الاجتماعية والإنسانية بلغة ساخرة وذكية، تتجاوز المباشرة وتلامس وعي المتلقي. وتتميّز أعماله بقدرتها على تحويل التفاصيل اليومية إلى مشاهد نقدية مكثفة، تعتمد على قوة الفكرة قبل الزخرفة البصرية، ما جعل أعماله قريبة من الجمهور وذات حضور لافت في الفضاء الثقافي.

ويحظى فن الكاريكاتير في ليبيا بتاريخ ثري ارتبط بالصحافة والفنون البصرية، بوصفه أحد أكثر الأشكال التعبيرية قدرة على النقد وكشف المفارقات الاجتماعية والسياسية. وقد أسهم عدد من الفنانين الليبيين في ترسيخ هذا الفن كمساحة حرة للتعبير، مستندين إلى السخرية كأداة فكرية وجمالية في آن واحد، وهو ما يواصل العجيلي العبيدي حضوره ضمن هذا المسار، مضيفًا إليه رؤيته وتجربته الخاصة.

ويأتي معرض «مسامير» ضمن جهود دار الفنون في دعم الفنون البصرية وإتاحة فضاء للحوار بين الفنان والجمهور، وتعزيز حضور الكاريكاتير كفن قادر على مساءلة الواقع وتوثيق لحظته الراهنة بلغة بصرية نافذة.
المصدر

PLEASE PROVIDE SOURCE

Director  || Raed Khalil
SYRIACARTOON WEBSITE

www.raedcartoon.com
موقع الكارتــون الســـوري
مدير الموقــع: رائد خليـــل
جميع الحقــوق محفوظــة
More..
Latest news