فن الكاريكاتور السوري المعاصر بوابة مفتوحة على الإيديولوجيا

156

فن الكاريكاتور السوري المعاصر بوابة مفتوحة على الإيديولوجيا 

مما لاشك فيه، أن فن الكاريكاتير العربي عموماً والسوري خصوصاً خارج من عباءة الصحافة، وغير محكوم بالدراسة الجامعية الأكاديمية لمُبتكريه، بل هو مولود من داخل الفطرة والموهبة الفردية المدربة على رؤى مشهدية ومُخيلة مفتوحة على السرد، وتقنيات متطورة على الدوام في أيدي الرسامين الكاريكاتيريين،

مُعمقة للمعرفة والخبرات المتصلة بعوالم الفنون التشكيلية وأشكال السرد البصري الدعائي المحموم بالأيديولوجيا والمزينة بتفاصيل الحكايات الو صفية والنقدية المستلهمة من الذاكرة الشعبية وقصص الأولين في كليلة ودمنة والحكواتي وصندوق الفرجة وخيال الظل (كراكوز وعيواظ)، ومسارب الرواية والمسرح والنكتة الشعبية القائمة على مسرحة الحياة الاجتماعية لعموم البشر الذين يعيشون تحت ظلال التفاوت الطبقي المتشكلة في بنية هذا المجتمع العربي أو ذاك كنوع من مرآة الذات بطريقة هزلية وناقدة حيناً وجامحة مُغرضة في كثير من الأحوال، وهو فن جماهيري بضرورته الوجودية ومحتواه الموضوعي ولباسه الشكلي.

كذلك يُمكن القول بأن فن الكاريكاتير هو جامع لمجموعة متآلفة من الأفراد والأفكار والتقنيات في سياق تعبيرات خطية على الورق فيها شيء من التحوير الشكلي والاختزال الموضوعي والمقاربة التقنية في الوصف والمشابهة لنقاط بارزة وعلامات فارقة في متن الشخصيات المرسومة والمستعارة من الواقع والُمدخلة في معامل اختبار رسامي الكاريكاتير، لتخرج من واحة الابتكار والمُخيلة في تشكيلات بصرية حاشدة بالترميز والإحالات الدلالية والرموز في سياق (تناص) معرفي لأفكار ومقولات متنوعة تدخل في إطار رفض الواقع أو التحريض عليه أو كشف عيوب المجتمع وشخصياته المنتمية لفئات اجتماعية وطبقات سياسية واقتصادية وثقافية متعددة، ترنو إلى إعادة حياتنا اليومية في صور مُبسطة وغير متكلفة يفهمها الجميع بكل بساطة ويُسر.هزلية من نوع (كوميديا سوداء) تجعل من عين وعقل المتلقي جزءاً من الحالة المرسومة والمتناسبة طرداً مع رغبة رسام الكاريكاتير في التوصيف والتوصيل أو التبشير. وهو بذلك فن مركب يدخل في سياق (السهل الممتنع) مؤتلف من مجموعة مكونات ومفردات فنية تشكيلية تُشكل الفكرة المرموزة مجاله الحيوي والخطوط المتداعية فوق السطوح والحاضنة لتدريجات اللون الأسود في تناقضها مع لون الورقة الأبيض وما بينها من عبارات كتابية مُضافة الصياغة التصويرية التي لا تخرج في ميادينه ورسومه عن نفحات الهزل المقصود للإنسان بحق أخيه الإنسان في مواقف سلوكية متوافقة أو متناقضة، متباينة ومتعارضة. سواء أكان هذا الإنسان من عامة الناس أم من الخاصة، مثقف النخبة التقني والأكاديمي أو الأمي والأقل معرفة، أو ذلك الحاكم والمحكوم، الغني والفقير، التاجر المرابي أو المواطن المحروم والمقهور.

تُشكل الصحافة اليومية والدورية المحلية والإقليمية والدولية حاضنته الولود، وشبكات الإنترنت والتلفزة الفضائية امتداده الطبيعي في نسج بوابات مرئية واسعة الطيف ومتعددة مسارب التنوع الثقافي والشاملة لكل اللغات والشعوب والقوميات مُتجاوزة حدود الجغرافية المحلية، ليُمسي المحلي إقليمياً وعالمياً بالضرورة الإعلامية. وجودة فن الكاريكاتير وسعة انتشاره مرهونة بقدرة المساهمين على تعميم ثقافته وملامسة رسوم المبتكرين في القضايا العاجلة والساخنة بكل المستويات الحياتية. تلك النصوص البصرية (الكاريكاتيرية) التي أصبحت فناً قائماً بذاته مفصولاً عن بقية المُنتجات الفنية التشكيلية، وأمسى وجوده حاجة ملحة في تفاعل الأذواق والتقنيات والأفكار، أشبه بملح الطعام يُقدمه الرسامون المبتكرون في خصوصيات تجاربهم الفردية واستنباط أساليب وأفكار متنوعة كولائم بصرية مُقدمة على موائد الثقافة والصحافة المرئية والمقروءة.

وعليه يُمكن القول بأن فن الكاريكاتير السوري له حظوة مشهودة في جميع المنابر الصحفية المحلية، وتعدّ سورية من الدول العربية الريادية في هذا المجال، فقد شهدت حركة الثقافة البصرية عِبر الصحافة الوافدة والمحلية علامات بارزة في إنتاج الرسوم الكاريكاتيرية من فنانين تشكيلين سوريين وجدوا فيه متنفساً لبوح هنا وموقف هناك، أمثال (توفيق طارق، عبد الوهاب أبو السعود، سمير كحالة) فيه فسحة لتفريغ الانفعالات لاسيما في إطار الاستعمار الفرنسي البغيض. وما الرسوم الكاريكاتيرية المعاصرة التي تحفل بها صحفنا المحلية إلا استكمال لتجارب ريادية سابقة حملت في نصوصها رياح التغير السياسي والثقافي العاصفة في عموم المنطقة العربية عموماً ومسألة الصراع العربي الصهيوني ومسيرة الحروب المتنوعة الأماكن والأسماء خصوصاً. حيث وجد رسام الكاريكاتير السوري نفسه داخل الحدث مساهماً بأدواته ومناهل خبرته وأفكاره، مكرساً لعنان المُخيلة ونبض الشارع العربي والمحلي مجموعات كبيرة من التجليات. موزعة ما بين الرسوم المنفذة يدوياً بالحبر الصيني بالأبيض والأسود في سياقاتها التقليدية المتناسلة من النماذج الغربية الأوربية أو تلك الرسوم التقنية المنفذة بوساطة برامج الحاسب (الكمبيوتر) الرسومية الملونة، وفي كلتا الحالتين نجد جميع التجارب السورية محمولة بأنفاس أيديولوجية غير مفارقة لهموم الوطن والمواطنة ومتطلبات الحياة والرغبة بالعيش الكريم والاندماج في معركة الوجود بأثواب متناسبة ومجريات الأحداث داخلياً وخارجياً.

في العقود الثلاثة الماضية برزت أسماء فنية سورية كثيرة، وحظي بعضهم بشهرة عالمية وحضور عربي ودولي لافت ومُثير للتقدير والاحترام في العديد من المسابقات والمنتديات الدولية والعربية المكرسة لفن الكاريكاتير، تاركة بصمات عربية سورية ملحوظة في حصاد الجوائز وهي أكثر من أن تُحصى، ونذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر كلاً من الرسامين (ممتاز البحرة، يوسف عبد لكي، علي فرزات، رائد خليل، فارس قره بيت، حسن إدلبي، عبد الهادي الشماع، خالد جلل، حميد قاروط، سعد حاجو، حسام وهب، ياسين خليل، حسام ساره، عبد الله بصمة جي، حكمت أبو حمدان، فريج كاسوني، علي عزيز)، يجمعهم فن الكاريكاتير في مواطنة مفتوحة على الواقع توصيفاً ونقداً تترك رسومهم الكاريكاتيرية للمتلقي جميع خيارات التأمل والمساءلة والمعايرة في وظيفية الرسوم والشخوص والمواقف المشحونة في نصوص السرد البصري.

إن الصحافة الدورية السورية كما أسلفنا حافلة بالرسوم الكاريكاتيرية ومزحومة بمفاهيم الأيديولوجيا على اختلاف مشاربها ومنابتها الوجودية ومسالكها الاجتماعية، والمحملة بأنفاس اشتغالها التقني (الشكلاني) من توصيف للفكرة التعبيرية المراد تقديمها كولائم بصرية ماتعة ونافعة لجمهور التلقي، وهي في نهاية المطاف عاكسة لروح العصر والثقافة البينية السائدة ومحددة لوظيفية الفن عموماً والكاريكاتيري خصوصاً في سلم القيم الوصفية الاجتماعية.

نمر في هذه العجالة على ثلاثة نماذج تطبيقية لرسامي الكاريكاتير السوريين الذين لهم حضورهم الصحفي ولمستهم الابتكارية، وتفردهم الأسلوبي في توصيل الفكرة التعبيرية الموحية، وهم (فارس قرة بيت، عصام حسن، رائد خليل).

1ـ فارس قرة بيت:

رسام كاريكاتير صقل موهبته الفنية بالدراسة الجامعية الأكاديمية في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق والقاهرة ما بين أعوام (1981 ـ 1998) ليخرج من عباءة الفن التشكيلي والرسوم المتحركة لمسة فنية حافلة بالخطوط والملونات والفهم الحاذق لبنائية اللوحة الخطية الكاريكاتيرية، تلك التي رافقته كظله منذ الدراسة الابتدائية حتى اللحظة الزمنية المعايشة، وغير المفارقة لمساحة الوجدان والانفعال اللحظي في قضايا العرب الحياتية ولا سيما قضية الصراع العربي ـ الصهيوني، التي تحتل فيها (فلسطين) ونضال شعبها موقع الذاكرة المتوقدة والمفتوحة على الألم والمعاناة في تبيان وهج ضميره بوصفه رساماً وإنساناً بآن معاً.

تستظل رسومه الكاريكاتيرية بواحة الفن التشكيلي ومسالك الهواية عبر أساليب خطية ولونية متعددة التقنيات، معتمدة على الخطوط اللينة المغلقة الحركية في تداخل مدروس ما بين هيئة شكلية وأخرى.

حاضنة لتداعيات الملونات الرمادية قتامة وإضاءة فيها اختزال للشخوص وفصاحة دلالية للرموز. لوحاته أفقية تستوعب أبعاد المستطيل وتحتل العناصر المحورية مركز الثقل في وسط اللوحة ليكون التماثل والتقابل الشكلي ما بين مفرداتها الوصفية مجالاً مناسباً لتقديم فكرته التعبيرية وبوجه الأيديولوجي الرصين لعناصر متوزعة في مرئيات شكلية متوازنة ما بين الخلفيات الشكلية المتممة والموشاة في بعض الأحيان بعبارات مكتوبة إيضاحية تلميحية عاكسة لطبيعة السرد البصري.

الأسود ونصاعة الأبيض يدفع برسومه لمحاورة شكلية محببة مع ملونات الرماديات المتناسلة من حدة التناقض اللوني والرمزي الذي يصل الفن بالواقع في سلسلة من المواقف اليومية لأحداث متناقضة فيها إحالات رمزية مقصودة، وتفعيل لعقلانية المحاكمة الشكلية والهدف المرصود. تقدم ذاتها على بساط الحقيقة وفسحة الأيديولوجيا والانحياز لوطن وذاكرة.

2ـ عصام حسن:

رسام مجتهد وباحث آثر أن يكون اجتماعياً ومحرضاً وداعية في حدود موهبته الفطرية، وأدواته وأساليبه الوصفية غير عابئة بالرسم المدرسي الأكاديمي، والبصمة الشكلية الموحية عن ذات متكررة. بل أراد لذاته الفنية هذا التلون غير المتناهي في حدود آثاره الشكلية التي لا تقف في حدود أسلوبية محددة، ليد طلقة تجوب حبر الرسوم في مساحة الآني المتغير في وقفات خطية غير متجانسة وعابرة هي أقرب للحكاية الشعبية التي تلقي بظلالها على عين المتلقي في تأويل النص البصري المُباح وحقيقة التوصيف المنشود.

مما لا شك فيه، بأن (عصام حسن) المفتون أبداً برسوم (علي فرزات) والخارج من صومعته الشكلية والمعرفية لا يجد حرجاً في التماهي المشروع مع رسومه، واندماجه العفوي يجعله حالة مطابقة بحدود إمكاناته التقنية، ليجد في نهاية المطاف طريقه في عوالم الصحافة المحلية والعربية كرسام (موتيف) صحفي وكاريكاتير أسلوبية محمولة بالتنوع وعدم الاستقرار الشكلي في نمط وصفي محدد. بل الذوبان في مشروعية الحالة التعبيرية المفتوحة على الخطوط والظلال المتعانقة في شباك الأسود والأبيض تلاصقاً وتبايناً تعطي الأهمية القصوى للمفردات والشخوص الأساسية في بناء اللوحة على حساب فضاء اللوحة الخلفي وهو بذلك يخرج، عن وعي منه أو دون دراية، من قدرية النمطية أو الوحدة العضوية المتجانسة، فتظهر رسومه أشبه بمقطوعات موسيقية من منابت صوتية متعددة. الخط لديه إطار جامع لكل التفاصيل والمساحات مأخوذة بأساليب التهشير والتنقيط واللون.

بياض اللوحة يقتحم أسوار الرمز والدلالة وبه يكون التميز الأسلوبي. المناسبات الاجتماعية وما بينها من ابتذال ومأساة ومعاناة هي مجاله الحيوي لتقديم مساحة بوحه البصري لرسام ما زال يغامر في مركبته الوصفية لفطرية مفتونة بالتجريب.

3ـ رائد خليل:

رسام كاريكاتيري متخصص في ميدانه، يدخل عوالمه الفنية من بوابة الاحتراف والثقافة البصرية والمعرفية المفتوحة على تراث الإنسانية في داخل الوطن العربي أو خارجه. يجمع المرئيات في قدرة ملحوظة على التأليف والتوليف لغة بصرية ثالثة فيها أنفاس الأول (الوطن العربي) وزخم الثاني (الخريطة الكونية) محققاً لذاته أبجدية شكلية لصيقة به متمايزة عن سواه من الرسامين السوريين. لوحاته متوهجة ومكتملة المواصفات القياسية جامعة لكل سرديات النص الكاريكاتيري من خطوط وظلال وملونات وعبارات كتابة توضيحية تأخذ مكانها الطبيعي والمريح في فضاء الشكل النموذجي (المستطيل). يجد فيها المتلقي العابر والمتذوق الناقد متعة بصرية لتأويلات المعنى أي (الفكرة التعبيرية والمقولة الفكرية) أو محمولات المبنى أي (الاتجاه الفني وأسلوب الصياغة البنائية)، حيث تكون مجموعة العناصر والمفردات التشكيلية حاضرة في كثير من الأحيان ولا سيما في رسومه التعبيرية التي وجدت لها حظوة ومكانة مرموقة في حصاد الجوائز بالمسابقات العالمية. اللوحة لديه تحمل خصائص الفن التشكيلي ولكن على طريقته، فيها سمات التوازن الشكلي والانفعال الداخلي لحركية الرموز والشخوص، والتدرج المنطقي لمساحة الخطوط والتلوين والظلال، وإن كانت في بعضها محكومة بعامل المهنة وقانون العرض والطلب المتساوقة وسياسة الصحيفة التي تخرج عن سطوة موهبته كنوع من التواصل المفروض. وفي جميع الأحوال يجد المتلقي ملامح رموزه وشخصياته الموحية شكلاً من أنماط التواصل الأيديولوجي والصيغ الوجودية المفتوحة على الابتكار.

عبد الله أبو راشد- جريدة النور

24/12/2003


Director| Raed Khalil
موقع الكاريكاتور السوري الدولي
رسام الكاريكاتور السوري رائد خليل
| جميع الحقوق محفوظة|

More..
Latest news