"الكلام عليكم"… فسحة للتأمل والتفكير Print
Written by موقع الكاريكاتور السوري   
Tuesday, 18 May 2010 12:30

"الكلام عليكم"… فسحة للتأمل والتفكير

إن فن الكاريكاتير في جوهره فن المشاغبة والسخرية الموجعة لأنه يقوم على الرفض والانتقاد لظواهر تلتصق بالحياة الاجتماعية (الحياتية واليومية) للناس، ويعبر بشكل مباشر عن الظاهرة الاجتماعية بأنواعها (سياسية اجتماعية اقتصادية …الخ)، ولأنه الفن الذي يقول ماتريد أن تقوله الناس فهو يحاكي طموحاتهم وآمالهم وآلامهم بالقبول أوالرفض، ويقدم إشارات وقائية لحوادث وظواهر قد تحدث في وقت من الأوقات، وتلك الإشارات والرموز في العمل الكاريكاتيري لاتهدف إلى الإضحاك والسخرية فقط، بل تشير إلى عوالم أكثر غنى وتجعل المشاهد في حالة تساؤل وتفكير من خلال بث أشكال ورموز تعد ركائز ومفاصل في العمل الكاريكاتيري.
ففي لوحات مشهدية معبرة يقدم الفنان رائد خليل أعماله في كتاب جاء تحت عنوان (الكلام عليكم) ليزجنا منذ البداية في عالم الأسئلة والتأمل والتفكير، وليفلت عنان مخيلتنا إلى أقصاها بتحريضه لنا عند كشف أشياء أكثر حساسية في حياتنا في أسلوب مغاير عن النمطي والسائد في فن الكاريكاتير، فعنوان الكتاب انطلق من المتداول حياتياً وسلوكاً إذ ترتكز جملة العنوان في بنيتها على جملة يقولها ويكررها الناس بكافة أطيافهم وفي أوقات مختلفة وهي (السلام عليكم) لكن رائد خليل حقق الانزياح والإدهاش عندما قلب حرف (السين) في مفردة (السلام) إلى حرف (الكاف) لتتحول إلى مفردة الكلام ، ولكن أي كلام يرميه علينا ؟ فمفردة الكلام هنا لا تدل على حالة النطق فقط ، بل تشير إلى عملية النطق المرافق للتأمل والتفكير، وهو بذلك تمكن من زج المتلقي في عالم كتابه ورسومه ليدعوه لا ليشاهد ويضحك فقط، بل ليتأمل ويفكر ويتكلم، وبدعوته المبطنة للكلام ترك للمتلقي فسحة تجعله يرد على الكلام غير العادي بكلام غير عادي أيضاً، إذ ينهي كتابه بجملة في آخر الكتاب تنطلق من السياق نفسه وهي (وعليكم الكلام) ، وجاءت لوحة الغلاف لتحقق تكامل الفكرة والتوازن بين خطوط الرسم والألوان والكتابة وما اللسان الخارج من الفم في اللوحة والذي تحول إلى قبضة تلكم عين المشاهد إلا تعبير عن أن الكلام الذي يريدنا أن نقوله كلام إشكالي ومشاغب ينبه عين المتلقي إلى مفاتيح ورموز أعمق مما هو واضح.
الفنان رائد خليل بدأ ينشر رسومه في الدوريات العربية والعالمية منذ عام 1988 ، وهو رسام الكاريكاتير في جريدة النور الأسبوعية ورسام صحيفة البعث، له مشاركات في العديد من المعارض الدولية وحاز على جوائز متعددة من إيران والصين وتايوان وتركيا وقبرص وكوريا الجنوبية، كان آخرها (برونزية من مهرجان فري كارتونس ويب الثالث ـ الصين. وشهادة تقدير من مسابقة السمكة في تبريز ـ إيران) ، ويعدّ الفنان رائد خليل من فناني الكاريكاتير الذين تجاوزت رسومهم المباشرة والنمطية من خلال عكس الأحداث وردود الأفعال برؤية تتجاوز السطحية والنمطية إذ تقوم أغلب اللوحات على تفسير الحدث وبث رموز ورؤى ضمن اللوحة الكاريكاتيرية تتجاوز الحدث أو الظاهرة التي يريد عكسها مثل لوحة (125) ولوحة (103).
ويمكننا أن نميز شكلين أو نموذجين من اللوحات عند رائد خليل النموذج الأول وهو ـ اللوحة الكاريكاتيرية المشهدية إذ تعتمد على الكثرة في الشخوص والحركات وهي إذ تظهر أكثر من مشهد في اللوحة الواحدة لتشير إلى فكرة عامة مثل لوحات (218 ـ 219 ـ 220) والنموذج الثاني هو اللوحة الكاريكاتيرية الرمزية وهي تحتمل دلالات عديدة وتنحو المنحى الفلسفي والوجودي والكوني إذ تختزل الحركة والظاهرة المراد رسمها برمز يشير إليها مثل لوحة إشارة الاستفهام (196) ولوحة الوطن العربي (193)،فتلك اللوحات تحتاج إلى قارئ يمتلك ثقافة معينة بالرغم من أن اللوحات في هذا النموذج تنطلق من الحياتي واليومي لكنها بحركة تعبيرية تحور عناصر اللوحة لتتحول إلى رموز لها دلالات مختلفة .
وأخيراً يمكننا القول إن فن الكاريكاتير هو فن وقائي يمتلك القدرة على التنبؤ والتبشير والتحذير من شئ قادم ،له عين ثالثة يلتقط كل ماهو بعيد عن العادي والنمطي ولعل أمثولة الشهيد ناجي العلي خير مثال على ذلك إذ وجد الحجر في رسومه قبل اندلاع الانتفاضة وأصبح الحجر رمزاً لنضال الشعب الفلسطيني.

يوسف الجادر
الثورة الثقافي – العدد 477 6/9/2005