رحيل أحد أعمدة الكاريكاتير العربي..«محمد الزواوي» فنان التفصيلات المدهشة

147


                                                                                            
                            رحيل أحد أعمدة الكاريكاتير العربي..«محمد الزواوي»
                                                     فنان التفصيلات المدهشة

عن عمر ناهز الخامسة والسبعين عاماً، رحل مؤخراً فنان الكاريكاتير الليبي المدهش «محمد الزواوي» هذا الذي يعيش كما وصفه الدكتور علي فهمي خشيم، حياتنا ونبضنا وأحلامنا ومشكلاتنا، ويرقبنا بنظرة الفاحص المدقق، ثم يمسك بريشته ويصورنا كما نحن، كاشفاً الستر ومزيلاً الأقنعة عما نريد أن نخفيه ليقول لنا: ها أنتم بكل ما فيكم!!.
والزواوي أحد أركان فن الكاريكاتير العربي المعاصر، والرائد الأول له في المغرب العربي أسس مدرسة فنية ساخرة خاصة به، تجاوزت شهرتها الساحة المحلية والعربية إلى الساحة العالمية، إذ تقف هذه القامة الفنية العملاقة بجدارة، في الصفوف الأولى للمشتغلين في مجال فن الكاريكاتير، لما يملك من موهبة وقدرة على تجسيد أفكاره الساخرة تجاه القضايا الاجتماعية والسياسية المعاصرة، بالرسم الواقعي الأكاديمي الملحاح على أدق التفاصيل والجزئيات، رغم النزعة الملحمية المسيطرة على رسومه، حيث يلجأ أحياناً إلى حشد عشرات ومئات الشخوص والعناصر والأشياء في لوحته الكاريكاتيرية.

مقدرة هائلة في الرسم ‏
فللفنان الزواوي كما يقول رسام الكاريكاتير اللبناني (عبد الحليم حمود) في كتابه «الكاريكاتير العربي والعالمي» مقدرة هائلة في الرسم، فهو ينفذ رسومه بكل الشروط الأكاديمية يعالج الكتلة والظل والنور، ويسجل أدق التفاصيل وإذا رسم جمهور كرة القدم في الملعب، فهو لا يهمل أي تفصيل في وجوههم وتعابيرهم وحركاتهم بحيث يشعرك بأن الوقت قد توقف عنده، فهو ينتج الرسم الواحد في ساعات أما في رسومه الملونة، فالدهشة أكبر وأكبر. ‏
ولد الزواوي بضواحي بنغازي سنة 1936 درس حتى الصف الرابع الابتدائي بمدرسة (الأبيار) ثم انتقل إلى مدينة بنغازي لمواصلة الدراسة، لكن ظروف عائلته دفعته لترك الدراسة والعمل كرسام في القسم السمعي البصري التابع للمصالح المشتركة، وعندما حلت المصالح المشتركة سنة 1961، انضم للعمل في مجلة الإذاعة بطرابلس كمخرج صحفي ورسام، وعلى صفحاتها خط أول لوحة ساخرة، قبلها كان الزواوي يسكن في نجع بدوي، وإلى جواره واد اسمه «وادي العطارة» حيث كان يبدأ يومه برعي الأبقار صباحاً وقطف الزهور وأوراق العنب، ثم يقوم بتحويلها إلى ألوان وأشكال فوق الصخور، وعند الغروب كان الزواوي يفاجأ بأن البقر الذي كان مكلفاً بحراسته قد غادر المكان، وبهذه المغادرة يكون قد ضمن علقة جديدة من الأهل. ‏
هذه الحالة رافقته حتى دخوله المدرسة التي فشل في جميع دروسها باستثناء مادة الرسم. ‏
بعد مجلة «الإذاعة» انتقل الزواوي للعمل في مجلة «المرأة» ثم بدأ عملية نشر ورسومه في معظم الصحف التي كانت تصدر في ليبيا وبعد قيام ثورة الفاتح من أيلول، عمل في صحيفة «الثورة» ثم صحيفة «الأسبوع السياسي» ثم صحيفة «الجماهيرية» ثم «الزحف الأخضر». ‏
أخذت أعماله طريقها إلى ثلاثة مجلدات هي: «الوجه الآخر» و«أنتم» و«نحن». ‏
إلى جانب الرسم الكاريكاتيري، عمل الزواوي في الرسوم المتحركة، حصل على وسام المواطن الصالح، ووسام الفاتح العظيم.

اهتمامات ومتابعات ‏
اهتم الزواوي في مراحل تكونه الفني برسوم الفنان اليوناني «برني» الذي كان ينشرها في مجلة «الاثنين» المصرية ومن خلال هذه المتابعة شغف بالرسم الكاريكاتيري الذي جمع فيه ببراعة، بين النسب التشريحية الواقعية السليمة والمبالغات والتحويرات الساخرة التي لا تسيء أو تشوه هذا النسب، وانما تؤكدها وتتأكد هي من خلالها. ‏
بمعنى آخر: النزعة الكاريكاتيرية الساخرة والمعبرة والذكية، المطلة من رسومه لم تؤثر أو تتعارض مع قدراته في الرسم الواقعي المدهش، وحفاظه على المنظور الصحيح، والتكوين المدروس والحركات المعبرة والفكرة الساخرة المطروحة بقوة ووضوح في رسومه. ‏
لهذا يرى البعض أن الزواوي هو فنان التفاصيل الصغيرة البارع في تصوير ملامح مجتمعه بدقة لم يبلغها أي فنان كاريكاتيري عربي آخر، وفي ليبيا يعتبره الناس فنانهم الأول الذي يلمس قضاياهم وهمومهم اليومية، ويعبر عنها ببراعة وعفوية الأمر الذي يدفع المتأمل في رسومه إلى تمعنها بدقة بحثاً وتنقيباً عن مضامينها وأفكارها الكثيرة والمدهشة التي تحتويها. ‏
وعلى عكس رسامي الكاريكاتير الذين ينجزون رسومهم في غضون دقائق معدودة يبقى الزواوي ساعات طويلة في انجاز رسمته حيث يتعمد القيام بدراسة مستفيضة، لملامح كل شخصية وعنصر فيها، حتى لو تجاوز عددها المئة!! ‏
وبقدر براعة الزواوي في استخدام الرسم (الخط) في أعماله الفنية تأتي براعته في استخدام الألوان الشفيفة المواكبة والداعمة للرسم والفكرة فهو يجمع بين خاصيتي الرسام والملون، وتصل واقعيته المدهشة إلى حدود التماهي الكبير مع الواقع!! ‏
لقي فن الزواوي اهتماماً عربياًً وعالمياً كبيراً، صدرت عنه العديد من الدراسات بلغات مختلفة كما احتفي به وبفنه في غالبية العواصم العالمية. ‏
أسس الزواوي مدرسة فنية كاريكاتيرية خاصة به، تتلمذ فيها وعليها، عدد كبير من رسامي الكاريكاتير العرب المعاصرين، منهم الفنانون الليبيون: محمد عبية، محمد الشريف، المهدي الشريف، عماد هاشم التيجاني، أحمد زكريا. ‏

جريدة تشرين السورية
الاحد 12 حزيران 2011

 


Director| Raed Khalil
موقع الكاريكاتور السوري الدولي
رسام الكاريكاتور السوري رائد خليل
| جميع الحقوق محفوظة|

More..
Latest news